|
|
ما الذي يجعل الشعر يفقد لونه مع تقدُّم العمر؟ ولماذا يتحول إلى الأبيض؟ دراسات حديثة بدأت تكشف جانباً مهماً من هذه الظاهرة المحيّرة.. |
هذا الشيب له أسرار عجيبة، وقد حيَّر العلماء طويلاً، فكيف يتشكل؟ وما الذي يجعل الجسم يمتنع تدريجياً عن إنتاج الأصبغة التي تمنح الشعر لونه الطبيعي؟ ولماذا يتحول الشعر من السواد أو البني أو الأشقر إلى اللون الأبيض؟ لقد كانت هذه العملية من الظواهر الغامضة، ولكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف جانباً مهماً منها، وبدأ العلماء يفهمون كيف تفقد الشعرة لونها مع تقدُّم العمر.

توصّل باحثون من ألمانيا وبريطانيا إلى أن مادة تُسمى بيروكسيد الهيدروجين Hydrogen Peroxide أو H2O2 تلعب دوراً مهماً في ظهور الشيب مع التقدُّم في العمر. وهذه المادة تتكوَّن أصلاً داخل الجسم بمقادير صغيرة، ولكنها تبدأ بالتراكم داخل بصيلات الشعر مع مرور الزمن، وعندما يزداد تركيزها تؤثر في الخلايا المسؤولة عن إنتاج الصبغة الطبيعية للشعر.

ويؤكد العلماء أن لون الشعر يعتمد على مادة تُسمى الميلانين Melanin... وهذه المادة هي المسؤولة عن ألوان الشعر والعين والجلد. فسواء كان الشعر داكناً أو أشقر، فإن ذلك يعود إلى كمية الميلانين التي تُنتجها الخلايا وتوزعها داخل الشعرة. فإذا ضعفت هذه العملية، أو تعطلت بعض التفاعلات المرتبطة بها، أو تراجعت كفاءة الخلايا الملوِّنة، بدأ الشعر يفقد لونه الطبيعي شيئاً فشيئاً.
وفي بحث علمي حديث شرح الباحثون أن مادة بيروكسيد الهيدروجين تزداد مع التقدُّم في العمر، وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة الجسم على تفكيكها وتحويلها إلى ماء وأوكسجين. ويحدث هذا بسبب ضعف بعض الأنزيمات المهمة داخل الخلايا، ومن أهمها أنزيم يُدعى كاتالاز Catalase فإذا ضعفت كفاءة هذا الأنزيم بدأ الخلل، وبدأت المادة تتراكم، ومن هنا يتراجع تكوُّن الميلانين ويظهر الشيب.

سبحان الله! إن شعرة واحدة تبدو لنا شيئاً بسيطاً، ولكن وراءها نظام بالغ التعقيد. ففي جسم الإنسان ملايين الشعرات، وفي فروة الرأس وحدها عشرات الألوف من الشعرات، وكل شعرة تخضع لدورة دقيقة من النمو والسقوط والتجدد. ومع مرور الزمن تبدأ بعض الخلايا بفقدان جزء من كفاءتها، وتبدأ المواد المؤكسدة بالتراكم، وتضعف الخلايا الصبغية، ومن هنا يبدأ الشيب بالظهور تدريجياً حتى ينتشر في الرأس انتشاراً واضحاً.

والعجيب أن العلماء اليوم يتحدثون عن ما يسمى بالإجهاد التأكسدي، أي تراكم بعض المواد داخل الخلايا بحيث تؤثر في وظيفتها الطبيعية، وهذا الإجهاد لا يقتصر على الشعر فقط، بل يدخل في كثير من مظاهر التقدُّم في العمر. ولذلك فإن الشيب ليس مجرد تغيّر في اللون، بل هو علامة على تغيرات دقيقة تحدث داخل الجسد مع الزمن، وتكشف لنا جانباً من ضعف الإنسان وحاجته الدائمة إلى خالقه.
ومن العجيب أيضاً أن ظهور الشيب يترافق في كثير من الأحيان مع مظاهر أخرى من التقدُّم في السن، فتبدأ كفاءة الخلايا بالتراجع، وتضعف بعض الوظائف الحيوية، ويشعر الإنسان أن جسده لم يعد كما كان من قبل. وهنا نتأمل هذا الربط القرآني المدهش بين وهن العظم وظهور الشيب، وكأن الآية ترسم مشهداً كاملاً لمرحلة من مراحل العمر.
يقول الله تعالى على لسان نبيه زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]
تأملوا هذا التعبير القرآني العجيب: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، لم يقل: شاب الرأس، أو كثر الشيب، أو ظهر فيه البياض، بل قال: اشتعل. وهذه الكلمة في غاية البلاغة، لأنها تصوّر انتشار الشيب في الرأس وهيمنته بطريقة مدهشة، وكأن هذا البياض يمتد شيئاً فشيئاً حتى يعمّ الشعر كما يعم الاشتعال الشيء فيظهر أثره بوضوح.
واليوم عندما يكتشف العلماء أن من العوامل المهمة في هذه الظاهرة تراكم مادة فعالة مثل بيروكسيد الهيدروجين داخل بصيلات الشعر، وتأثيرها على الخلايا التي تنتج الميلانين، فإن المؤمن يقف أمام هذا التعبير القرآني وقفة تأمل، لا ليحوّل الآية إلى معادلة كيميائية، بل ليدرك روعة البيان الإلهي ودقة التصوير القرآني، وكيف جاءت كلمات القرآن منسجمة مع ما بدأ العلم يكتشفه حديثاً عن هذه الظاهرة.
ثم تأملوا كيف جمع الله تعالى في آية واحدة بين قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وبين قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، فهذه ليست مجرد كلمات، بل وصف دقيق لمرحلة من مراحل العمر يضعف فيها الجسد، وتبدأ آثار الزمن بالظهور، ويبدأ الإنسان يشعر أن كثيراً من قواه لم تعد كما كانت، وهنا تتجلى عظمة هذا القرآن في كلماته القليلة ومعانيه العظيمة.
إن هذه الدراسات لا تزيد المؤمن إلا يقيناً بأن القرآن الكريم كتاب عظيم لا تنقضي عجائبه، وأن الله تعالى يفتح للناس في كل عصر باباً جديداً للتأمل في آياته. فكلما تقدَّم العلم خطوة في فهم أسرار الجسد، وجدنا في كتاب الله ما يدعو إلى التدبر والخشوع والتسبيح.
ويكفي أن نختم بقول الله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]








.gif)





