|
|
أريد أيها الأحبة أن أتأمل معكم هذه الآية من سورة "محمد"، الآية رقم (12). هذه الآية هي قاعدة في علم الغذاء.............. |
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [ محمد: 12]
انظر معي -أخي الحبيب- إلى هذا التشبيه الدقيق جداً؛ إذ بدأت الآية بقوله تعالى: «والذين كفروا يتمتعون ويأكلون». هذه الآية ليست مجرد كلمات؛ بل إن فيها درساً ومعجزة في مجال علم ، وكيفية تناول الطعام، وتأثير ذلك على شفائنا.
لقد ربطت الآية بين المتعة والأكل، فكيف يأكلون؟ «كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم». قد يتساءل المرء: ما علاقة الطعام؟ الكافر يأكل والمؤمن يأكل، فما الفرق بينهما وقد يجلسان على طاولة واحدة؟ هذا مؤمن يأكل وهذا كافر يأكل؛ فلماذا ربط الله سبحانه وتعالى بين أكل الكافر والتمتع وطريقة أكل الأنعام؟
انظر -أخي الحبيب- إلى هذه المعلومة التي لفتت انتباهي لأول مرة حقيقة: تريد الآية أن تقول لك أيها المؤمن: إياك أن تتخذ من هذا الطعام وسيلة للمتعة كما يفعل الكافر؛ لأن الكافر منتهى علمه هو الدنيا، ويظن أنه يعيش لفترة ثم يتحول إلى تراب بعد موته، وقالوا: «وما يهلكنا إلا الدهر»، فتأتي الأشياء الأخرى وتنتهي القضية. لذلك يريد أن يتمتع في هذه الدنيا، وأكثر ما يتمتع به الإنسان هو الطعام لأنه يأكل باستمرار.
فالآية هنا تحذرك -أخي الحبيب-: إياك أن تتخذ من هذا الطعام متعة لك فتنسى الآخرة، وتنسى لقاء الله عز وجل، وتنسى الهدف الذي خلقك الله من أجله وهو العبادة.
انظر معي: إذا طبقتُ هذه القاعدة فماذا أستفيد؟ سوف أُقلل كمية الطعام إلى الحد الأدنى، وهذا ما أكده النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: «بحَسْبِ ابنِ آدَمَ لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ»، و(لُقيمات) تصغير لقمة؛ أي لقمات صغيرة تُقيم صُلبه. فالهدف من الطعام عند المؤمن هو التقوي على العبادة وأمور الحياة، وليس المتعة.
ماذا حدث عندما اتخذنا الطعام وسيلة للمتعة؟ هذه ملاحظة مهمة جداً؛ فالإنسان عندما يجلس ويريد أن يتمتع بأشكال الطعام وأنواعه، يدخل كميات كبيرة من الطعام إلى جوفه، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: «ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنٍ». فأسوأ وعاء تملؤه هو البطن.
لذلك نجد اليوم في أمريكا بروفيسوراً اسمه (لونغو) يعالج مرظاه -حتى مرضى السرطان- بالصيام! وفي ألمانيا هناك مشافٍ تعالج الناس بالصيام، وهو أمر عجيب؛ مجرد اتباع نظام الامتناع عن الطعام لأطول مدة ممكنة (تحت إشراف طبي طبعاً). ونحن لدينا الصيام الإسلامي آمن ومُجرَّب، ونصوم كل سنة 30 يوماً دون أضرار.
هذا الإقلال من الطعام -إذا نظرتُ إليه كما نظر النبي عليه الصلاة والسلام- مجرد لقيمات ليستمر الإنسان في الحياة؛ كأنه وقود. أي أنني أرى ماذا أدخل في بطني، فلا أبتلع أي مادة تُوضع أمامي، بل أنظر وأدقق وأحسب؛ لأن كل ذرة سيحللها جهازك الهضمي وسيتعرف عليها الكبد، وإذا كان هناك جسم غريب سيستنفر النظام المناعي. فإذن، يجب أن أفكر كثيراً قبل أن أضع أي لقمة في فمي: ماذا سأدخل؟
لذلك لم يكن غذاء النبي صلى الله عليه وسلم متنوعاً كما نحن اليوم؛ فموائدنا اليوم قد تحتوي على عشرات الأصناف، أما النبي عليه الصلاة والسلام فكان يفطر على تمر أو ماء، وإذا كان هناك طعام فغالباً ما يكون نوعاً واحداً أو نوعين كحد أقصى (اللحم وخبز الشعير مثلاً). التنوع الكبير في الطعام يربك الجهاز المناعي، والجهاز الهضمي، وحتى الدورة الدموية وبقية أعضاء الجسد كالكبد، مما يؤدي إلى أمراض كثيرة مع الزمن.
فالآية تحذرنا وتقول: انظر، الكافر يتخذ من الطعام متعة له ويأكل باستمرار. وهناك فعلاً ناس تجدهم على مدار اليوم يأكلون مثل الأنعام «يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام». وكيف تأكل الأنعام؟ الأنعام تأكل في أي وقت تُقدّم لها فيه الطعام؛ البقرة مثلاً تمضي ساعات طويلة في الطعام والمضغ وإعادة المضغ، لأن المهمة التي خُلقت من أجلها ليست العبادة، بل خُلقت لتكبر وتُكَوِّن اللحم واللبن والجلد: «وذلَّلناها لهم فمنها ركوبُهم ومنها يأكلون».
أما أنت أيها الإنسان؛ فلست كالأنعام، وليست مهمتك أن تُسَمِّن جسدك، ولا أن تتخذ من الطعام متعة وكأنه لا يوجد يوم آخر. ونحن نعلم أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تنزل عليه الآية الثقيلة من القرآن (التي أنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم)، فكان عندما يسمعها يمتنع عن الطعام أياماً من شدة تأثره بثقلها! فكيف بنحن اليوم ونحن نستمع للقرآن كاملاً وأكوابنا وموائدنا مليئة بالطعام والشراب؟
الآية تحذرك: الطعام له هدف وهو التقوي على العبادة، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. وإذا كانت هناك لذة في الطعام فهذا شيء طبيعي، ويجب أن تحمد الله عليها: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )
من هنا أعتبر هذه الآية وسيلة ممتازة لتقليل الطعام لمن لديه مشكلة الإكثار منه؛ بأن يتذكرها قبل أن يأكل ويضعها أمامه. اليوم لدينا مشكلة عالمية وهي الوزن الزائد، وينتج عنها أمراض كثيرة مرتبطة بها. فالذي لا يستطيع السيطرة على نفسه ويأكل كميات كبيرة، ليضع هذه الآية أمامه كلما أراد تناول وجبة: «والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم»، ويضع آية أخرى بجانبها: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».
سبحان الله! إذا أثقلتُ في الطعام اللذيذ خرجتُ من دائرة محبة الله، لأنه «لا يحب المسرفين». فهذه الآية تجعلني أُقلل من كمية الطعام إلى الحد الأدنى، وأتخذ منه وسيلة لأتقوى بها على العبادة كما أمرني النبي عليه الصلاة والسلام: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، مع البحث عن الرزق الحلال والطعام الحلال؛ فهذا ضروري لتحدث البركة. لذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معًى واحد»؛ لأن المؤمن ليس همه الطعام.
فانظر كم ستوفر اقتصادياً -وبخاصة في رمضان وعلى الموائد- وكم ستريح جسدك وستوفر على نفسك من المشاكل والأمراض، لأن كثرة الطعام يترتب عليها أمراض كثيرة جداً. وكل هذا أمرك القرآن به ليضمن لك الحياة الطيبة: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ النحل: 97]
والإقلال من الطعام هو عمل صالح على فكرة؛ لأن الإثقال والإسراف يخرجك من محبة الله فيكون عملاً سيئاً، بينما العمل الصالح هو ما يجلب لك محبة الله. فعندما تقلل من الطعام تكون قد وفرت مالاً، ووفرت على نفسك الأمراض والألم، ووفرت وقتاً أصبح لديك للعبادة والبناء ومساعدة الناس.
ودماغك أثناء الصيام والتجويع يعمل بطريقة أفضل وتنشأ فيه وصلات عصبية جديدة -كما كشف أحد العلماء في أمريكا من أسرار الصيام- تقوي الذاكرة والقدرة على اتخاذ القرار ورؤية الفرص، مما يحسن من جودة حياتك.
فالقرآن الكريم منظومة متكاملة تضمن لك الحياة المطمئنة: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ النحل: 97]
(هذا في الدنيا)، وفي الآخرة: ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
لا تنسونا من صالح الدعاء، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بهذه المعلومات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو من خلال هذا الرابط : -
https://youtu.be/lUaIcSBFH2k?si=UFOeyEnFIj5ambV_








.gif)





