|
|
لماذا يفشل معظمنا في التركيز، سواء في استيعاب المعلومات، أو في الدراسة، أو في حفظ القرآن الكريم؟ وكيف نقوي هذه الذاكرة؟ وكيف نُنمّي عملية التركيز على المعلومة؟ |
انظر معي أخي الحبيب، هذا سؤال مهم يتكرر كثيراً، وكثير من الناس يفشلون في حفظ القرآن، مع العلم أن حفظ القرآن هو أمنية لدى كل إنسان؛ يعني كل إنسان يتمنى أن يحفظ القرآن فعلاً. ولكن، كم شخصاً يستطيع أن يحقق هذا الهدف؟ قليل جداً! لماذا؟ لأن هناك أساليب وطرقاً سهلة جداً للحفظ سأحدثكم عن إحداها اليوم باختصار.
إن عملية حفظ القرآن تساعدك على تثبيت المعلومات، وتوسيع دائرة الإدراك، وتقوية الذاكرة أيضاً. ولكن ما هي الذاكرة؟ قبل أن نبدأ بهذه الطريقة: ما هي الذاكرة؟
للذاكرة عناصر كثيرة جداً، وأهم عنصر من عناصرها هو قوة اللغة؛ أن تتمكن من اللغة؛ لأن الذاكرة عندما تُدخل معلومةً إلى دماغك وتريد أن تستحضر هذه المعلومة، فإنك تحتاج إلى مفردات، وتحتاج إلى لغة وبلاغة ومعلومات غزيرة تعينك على التذكر؛ لذلك نجد أن الإنسان الذي تكون لغته محدودة، تكون ذاكرته محدودة غالباً، وهو الإنسان الذي ليس لديه آفاق في اللغة.
ولغة القرآن هي أقوى لغة على الإطلاق؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول (انظر معي أخي الحبيب إلى هذه الآية الكريمة) ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [ يوسف: 2]
ما معنى ذلك؟ ربطت الآية بين عروبة القرآن وبين العقل، فكأن الله يريد أن يقول لك أيها الإنسان: إنه أنزل القرآن باللغة العربية (وهذا أحد أسرار إنزاله بها) لأنها تساعدك على التعقل والتفكر، وتعينك على أن تفهم أكثر. فعندما تفهم المعلومة لا يمكن أن تنساها؛ إذ إن أحد أقوى أساليب التذكر هو فهم المعلومة.
وفهم المعلومة يحتاج إلى لغة قوية، ولغة عربية سليمة ومفردات وخبرة بأساليب اللغة؛ لتفهم ما يقوله الذي أمامك، أو لتستوعب ما تحويه المعلومة التي تقرؤها الآن.
فعلى سبيل المثال، هناك آية في القرآن الكريم يقول الله سبحانه وتعالى فيها ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [ البقرة: 186]
ما علاقة الرشاد بالدعاء؟ ولماذا قال: ( فَإِنِّي قَرِيبٌ )؟
الآيات في القرآن التي فيها سؤال، تجد فيها مثلاً ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾[ طه: 105] ؛ أي: فقل يا محمد. وكذلك ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [ البقرة: 222]
، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ .....﴾ [ البقرة: 217]
أما هنا فلم يقل "قل": ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [ البقرة: 186] ؛ لأن الله أراد أن يوجه الخطاب مباشرة بينك وبينه لأنه قريب منك. فهنا كلمة "قل" لا تؤدي الأثر النفسي ذاته في قلوب المؤمنين( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) ؛ لا يوجد كلمة "قل"، ولا توجد واسطة بينك وبين الله. يعني أنت عندما تسأل الله، اسأله مباشرة؛ لا داعي أن تسأله عن طريق نبي أو عبد صالح أو غير ذلك.
ومع العلم أن النبي عليه الصلاة والسلام له كرامة عظمى عند الله، وله جاه وحق، وعباد الله الصالحون مكرمون عند الله؛ ولكن هذه الآية أرادت أن تقول لك: "الْجَأْ إلى الله مباشرة". والنبي شرح لنا هذه الآية في حديث آخر حين قال: ( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) .
من هنا أيها الأحبة، عندما أقرأ هذه الآية وأدرك الأسرار التي فيها، فكلما قرأت ) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي( ، أعلم مباشرة أن هذه الآية ليس فيها "قل"، بل : ( فَإِنِّي قَرِيبٌ( .
ثم قال ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) التسلسل المنطقي حسب علومنا نحن البشر أن نقول: "إذا دعا يُجاب"؛ أي أن العبد يدعو أولاً ثم يجيب الله. لكن هنا قدَّم الإجابة على الدعاء! فقبل أن تدعوه هو يستجيب لك، وفي هذا سر لغوي وبلاغي عظيم جداً.. ما هو؟
يريد أن يقول لك: إن الله قريب منك بشكل دائم ويجيبك، ولكن المطلوب منك فقط أن تدعو؛ فالإجابة محققة بنسبة مئة بالمئة، وما عليك إلا أن تدعو الله ( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ؛ فكأن الإجابة مستمرة ولكنها بانتظار أن تدعو، وهذا من أعظم أنواع العطاء والكرم والرحمة.
نحن إذا ذهبنا إلى عبد من عباد الله، نطرق الأبواب وننتظر ونطلب ونرجو ونتوسل، وبعد ذلك يقول: "سأدرس الأمر وأبحث هل أحقق لك هذا الطلب أم لا"، وقد تمضي أشهر وقد يستجيب وقد لا يستجيب هذا العبد الضعيف.
ولكن الملك سبحانه وتعالى -وهو أكرم الأكرمين، هذا الإله العظيم- يستجيب الدعاء مباشرة، ولكن بشرط أن تدعوه ) فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ( .
يعني وأنت تقرأ هذه الآية أخي الحبيب، تخيل في عقلك ودماغك أن الله موجود وقريب منك، موجود معنا الآن بعلمه وقدرته وحفظه وسمعه وبصره، وهو الحي القيوم ( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)؛ الإجابة موجودة بانتظار أن تدعو، بانتظارك أنت فقط أن تطلب! تخيل أن هناك إنساناً هو من يقول لك: "اطلب ما تريد وسأحققه لك، فقط اطلب!".. فهذه أقصى درجات الكرم، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [ الإسراء: 70]
إذن، عندما تدرك هذه الآية وتدرك هذا التركيب اللغوي الفريد وتتعمق فيه بهذا الشكل، يستحيل أن تنساها. ثم تربط بين أن تدعو الله وبين الرشاد( فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) ؛ فهو يطلب منك أن تدعوه. أيُّ غنيّ من اغنياء العالم اليوم أو في أي وقت يأتيك ويقول لك: "أنا قريب منك، فقط اطلب ما تريد"؟ من يفعل ذلك؟ الله سبحانه وتعالى فعل ذلك! انظر كم يحبك هذا الإله وكم يكرمك! ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)؛ يعني فقط اعترف بنعمة الله.
وبالتالي أخي الحبيب، هذه الآية عندما تقرؤها وتقول إن من أسرار أن تكون على طريق الرشاد هو الدعاء والإكثار منه، وإنك إذا أردت أن تقترب من الله فعليك بالدعاء.. هذه الآية عندما تقرؤها قراءة تدبرية لن تنساها بإذن الله سبحانه وتعالى.
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، إنه على كل شيء قدير.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط :-








.gif)





