أسرار الإعجاز العلمي

موقع مخصص لأبحاث ومقالات عبد الدائم الكحيل

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

خلال سنة واحدة، هل تستطيع أن تحفظ القرآن؟

هذا سؤال مهم جدًا، وجوابه سيفاجئك أخي الحبيب. الله -عز وجل- يسّر القرآن؛ ففي سورة القمر تكررت هذه الآية كثيرًا ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [ سورة القمر: 17] أي: فهل من متذكر؟

ما معنى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟ للذكر يعني أنك تستطيع أن تذاكره، وتضعه في ذاكرتك، وتتذكره بسهولة. لذلك قال في آية ثانية: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[ الحجر: 9]؛ لم يقل "نزلنا القرآن"، بل قال  )نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ( للدلالة على أن هذا القرآن سيُحفظ عن طريق الذاكرة، وسيحفظ في الصدور، وهذه أهم طريقة من طرق الحفظ.

اليوم مثلًا، لو أخذت أي كتاب مقدس وقرأت وأخطأت، نادرًا ما تجد من يردك. نادرًا لو وقفت أمام آلاف الناس أن يصحح لك أحد الخطأ، ولكن اليوم لدينا في العالم الإسلامي مليارا مسلم (أي: 2,000,000,000 مسلم)، لو وقفت أمامهم جميعًا وقرأت سورة الفاتحة وأخطأت بحرف واحد، فالكل سيردك! وإذا قرأت سورة الإخلاص )قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( أو سورة الضحى ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ( ، فمعظم هؤلاء يحفظونها وسيصححون لك. لماذا؟ لأن القرآن أصلًا أُنزل ليُقرأ وليُحفظ؛ لذلك قال ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ )، وقال: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) ، أي للتذكر والذاكرة، فهو أسهل كتاب يمكن أن تحفظه على الإطلاق.

حسنًا، كيف أحفظ هذا القرآن في سنة؟ هناك من يتساءل: هل أقرؤه في سنة أم أحفظه في سنة؟ تستطيع أن تحفظ القرآن في سنة؛ فالقرآن -أخي الحبيب- يتألف المصحف الذي بين أيدينا الآن من قرابة ستمئة صفحة، أي لو اجتهدت كل يوم وحفظت صفحتين فقط، فستحفظه في ثلاثمئة يوم، أي في أقل من سنة، وهذا أمر سهل.

لكن في البداية هناك صعوبة بسبب تراكيب القرآن غير المألوفة؛ لأن لغتنا العربية اليوم مشوهة في أدمغتنا، فكل بلد يتحدث بلهجة تختلف عن البلد الآخر، ونتحدث بلغة عامية مشوشة ومشوهة وركيكة، لذلك يبدو القرآن بالنسبة لنا غريبًا. في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت الآية أو السورة تنزل فيحفظها معظم الصحابة من المرة الأولى؛ لأنها لغتهم، ولأن تراكيب القرآن سهلة وميسرة تيسيرًا شديدًا، ولهذا نجد الأطفال يحفظونه. ففي نظري، إذا وضعت برنامجًا لحفظ القرآن خلال سنة أو سنتين، ثم تختمه بعد ذلك كيفما تشاء (كل شهر، كل أسبوع، كل سنة، بحسب ما ييسر الله لك ذلك)، فإن الحفظ مهم جدًا.

قد تسأل: "كيف أحفظ القرآن ولغتي العربية ركيكة؟"، إن القرآن هو ما يقوي لغتك العربية. أنا مثلًا، هل درست اللغة العربية؟ لم أدرسها، ولم أدرس كتب البلاغة، وليس لدي أي كتاب أصلًا في اللغة أو قواعدها أو البلاغة، بل أخذت لغتي من القرآن، أخذتها من حفظ القرآن تحديدًا؛ لأنني قبل أن أحفظه كانت لغتي مثل لغة أي إنسان يكتسب لسانه من محيطه فقط. لكن اكتشفت أنك بعد أن تحفظ القرآن وتكرر قراءته عن ظهر قلب تتغير لغتك، لأن التدبر يحتاج إلى حفظ؛ فلا تستطيع أن تتدبر بمجرد فتح المصحف والقول: "أريد أن أتدبر". صحيح أنك تستطيع أن تفهم، ولكن التدبر يعني أن تتتبع آثار الآيات، كما يتتبع المحقق آثار الحادثة؛ أن تتتبع معاني الآيات وتقارن بينها، فيجب أن تكون الآيات حاضرة في صدرك ودماغك لتتمكن من المقارنة بينها: لماذا هنا ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهنا ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ )؟ ومع مرور الزمن، تجد أن لسانك أصبح مبينًا، وتستطيع أن تعبر عن أي فكرة تخطر في بالك بسهولة ويسر ودون أدنى عناء.

أخي الحبيب، أنا آتيك بنموذج حي، ها أنا أمامكم الآن؛ لقد حفظت القرآن عن طريق الاستماع فقط، لم أذهب إلى دورة تحفيظ ولا غيرها، بل حفظته بجهد شخصي؛ كنت أستمع إلى شريط مسجل لسورة معينة وأكرر الاستماع. حبيبنا -عليه الصلاة والسلام- تلقى القرآن من جبريل سماعًا، فأحببت أن أتبع سنته وأقتدي به وأتأسى به. بدأت الحفظ، وفي البداية صدقوني جلست شهرًا كاملًا لم أحفظ فيه صفحة واحدة، فاكتشفت أن المشكلة ليست في القرآن، بل فينا نحن؛ لأن لغتي كانت مشوهة بسبب العامية الركيكة، فبدأت أستمع مرارًا وتكرارًا لمئات وآلاف المرات على مدار 24 ساعة.

وبعد أن حفظت معظم القرآن اكتشفت شيئًا غريبًا: أن ذاكرتي أصبحت أقوى، واكتشفت أيضًا أن قدرتي على الفهم أصبحت أكبر. كنت أحيانًا أمسك أي كتاب وأقرأ صفحة فلا أكاد أفهم شيئًا، أما الآن فأصبحت أقلب الكتاب بسرعة وأفهم أصعب الأفكار المطروحة؛ لأن القرآن موسوعة علمية وبلاغية ولغوية شاملة لكل شيء. حفظ القرآن أعاد برمجة دماغي، فاختلف فهمي للحياة، واختلفت علاقاتي ونظرتي للأمور، حتى إنني أستطيع القول: إن حفظ القرآن يقوي شخصية الإنسان؛ فقوة الشخصية تحتاج إلى لغة، وقدرة على التعبير، وقدرة على الفهم، وهذا كله يتحقق بحفظ القرآن.

لذا -أخي الحبيب- استمع كل يوم للقرآن، وحاول أن تحفظ ولو بضع آيات في البداية، وبعد فترة ستجد نفسك قادرًا على حفظ سبع صفحات أو عشر صفحات في اليوم بسهولة؛ المهم أن تجعل دماغك يعمل مع القرآن لتعيد برمجته. استمع له كثيرًا وأعطِ أفضل وقتك للقرآن الكريم، ولا تضعه على الهامش فيضعك على الهامش؛ فبقدر ما تهتم بالقرآن يهتم بك ويعطيك.

القرآن كما قلت لكم علاج للوساوس، وهذا ما وجدته عن تجربة؛ فهو يقوي اللغة، ويجعلك تفهم وتستوعب وتعبّر بصورة أوضح، ويعينك على الصبر أمام مشاكل الحياة وهموم العصر، ويمنحك القدرة على حل المشكلات؛ لأن كل آية نزلت لتعالج واقعًا في حياتنا. القرآن شفاء، وهو روح: ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ) ، وهو موعظة ورحمة، وله أكثر من خمسين اسمًا في كتاب الله.

عندما تبدأ رحلة الحفظ، صدقني لن تتوقف حتى تتمه؛ إذ سيتولد لديك نوع من الشغف والتعلق بالحفظ، وحين تحفظ سورة كالبقرة أو آل عمران، ستشعر بسعادة عظيمة لا تضاهى. لذلك أنصح أي إنسان ألا يكتفي بالقراءة العادية أو الختم المجرد، بل أن يبدأ بمشروع الحفظ.

في نظري، أن تحفظ صفحة واحدة وتفهمها وتتدبر ما فيها وتعمل بما جاء فيها خير لك من أن تقرأ القرآن كاملاً ثم تخرج فتكذب وتغش وتظلم؛ ولذلك قيل: "رُبَّ قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه". هذا أمر خطير؛ أن يقرأ المرء القرآن ثم يظلم أهله أو جيرانه والقرآن ينادي: ( أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )، فكأنه يلعن نفسه!

حفظ القرآن هو أفضل عمل يمكن أن تقوم به على الإطلاق، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ييسر لنا حفظ كتابه وتدبره والعمل به، وأن يجعله حجة لنا يوم القيامة.

يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : -

https://youtu.be/GtI01mKuLJc?si=-3jNXe6n6Totfg0m

 

 


 
Share |

راقب