أسرار الإعجاز العلمي

موقع مخصص لأبحاث ومقالات عبد الدائم الكحيل

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

الإنسان بين التسيير والتخيير كيف يجتمع القدر مع المسؤولية؟

هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ وإذا كان الله تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان، وخلق الشر، وخلق جهنم؛ فلماذا يعذب الناس؟ هل الله بالفعل يضلّ الناس؟ والسؤال أصلًا: لماذا خلقنا الله من الأساس؟

اليوم -أيها الأحبة- سأتأمل معكم، مع تأملي لهذا المنظر الرائع، قضيةً شائكةً جدًّا سنبسّطها اليوم لنفهم ونتدبر، ونزداد يقينًا وإيمانًا بالخالق العظيم تبارك وتعالى، حتى يتبين لهم أنه الحق.

هذه القضية مهمة جدًّا، وإياك أن تقول: «أنا مؤمن بالله فلا تعنيني مثل هذه القضايا التي فيها خلافات»، لا أبدًا؛ أنت يجب أن تهتم بكل قضية طرحها القرآن لكي تبني إيمانك على أساس متين. انظر اليوم إلى الملحدين كيف يضلون الناس بسبب جهل هؤلاء الناس بالقرآن، ويضحكون على عقولهم بمثل هذه الشبهات؛ لذلك أمرك الله أن تتدبر القرآن: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [ سورة محمد: 24] ، فكل من لا يتدبر هذا القرآن مقفل القلب، كأنه وضع أقفالًا على قلبه أمام هذا القرآن؛ لذلك دعونا نزيل هذه الأقفال ونتعرف على هذه القضية التي حيرت العلماء طيلة قرون؛ سنجد الحل بسيطًا وسهلًا جدًّا، ولكن بشرط: أن نفهم القرآن بهذه الطريقة.

انظر أخي الحبيب، سأبدأ معك بهذا السؤال: لماذا خلقنا الله؟ الله -عز وجل- هو الخالق وهو الخلّاق، أي كثير الخلق، يخلق باستمرار، يخلق ما يشاء ويزيد في الخلق ما يشاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فالله سبحانه وتعالى عندما يريد أن يكرم أحدًا من خلقه يظهره للوجود، ومجرد إظهارنا للوجود هو كرم من الله سبحانه وتعالى. واسأل اليوم أي إنسان: هل يتمنى ألا يكون مخلوقًا؟ سيقول لك: لا؛ هو يحب أن يتمتع بالدنيا، ويتمتع بالآخرة أيضًا في جنة عرضها السماوات والأرض. إذًا، الهدف من الخلق هنا هو أن يكرمك الله، كما قال: ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [ الإسراء: 70].

وأنت -أيها الإنسان- بالذات، سخّر وهيّأ الله لك كل شيء قبل أن يخلقك؛ هيّأ لك الأرض، والنبات، والبحر، واليابسة، ونسبًا دقيقة للأكسجين في الجو، والكائنات التي ستعيش معك، وهيّأ لك ما سوف تأكل وتشرب من المياه العذبة والينابيع والأنهار: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [ إبراهيم: 34]. فالإنسان يظلم ويكفر نتيجة أنه مُنِح حرية الاختيار.

دعونا ندخل الآن في الموضوع: عندما خلق الله الجبال، وخلق هذا البحر؛ فإن هذا البحر لا يستطيع أن يخرج عن القوانين التي وضعها الله له؛ لذلك لم نرَ جبلًا يتمرد، ولم نرَ بحرًا يتمرد؛ قوانين محكمة، فالسماوات والأرض والجبال والنباتات كلها ملتزمة بهذه القوانين.

أحبّ الله -عز وجل- أن يكرم هذا المخلوق الذي هو سيدنا آدم؛ فكرّمه وجعله خليفة في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقبل أن يستخلفه في الأرض أسجد له الملائكة تكريمًا له، وأعطاه حرية الاختيار تكريمًا له، مع العلم أن سائر المخلوقات ليس لها حرية اختيار. انظر في الكون من حولك؛ البهائم ليس لها حرية اختيار، والنباتات كذلك، والأرض والصخور، كل شيء يسير بقوانين مسخّرة ما عدا هذا الإنسان؛ هو الذي يثير الحروب والفتن والفساد والقتل والتلوث والظلم، كل هذا يفعله الإنسان لأن الله كرّمه ومنحه الأمانة.

وما هي الأمانة؟ هي حرية اتخاذ القرار. قد يقول قائل: أنا لم أختر هذه الأمانة! لا، بل اخترتَها ورضيتَ بها. وكيف تعلم ذلك؟ لو قلنا لك الآن: ما رأيك، هل تتمنى أن تُسلب منك الأمانة أو حرية الاختيار فتصبح مثل حيوان هائم؟ سيقول لك: لا؛ لا أحد يتمنى أن يصبح مثل آلة ميكانيكية لا إرادة لها، بل على العكس؛ أنت عندما تريد أن تكرّم إنسانًا تمنحه صلاحيات، وتمنحه حرية اتخاذ القرار. فالله -عز وجل- عندما منحنا القدرة على اتخاذ القرار كرّمنا وأعطانا الأمانة: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [ الأحزاب: 72]؛ ظَلَمَ نفسه لأنه غالبًا لم يكن قادرًا على حفظ هذه الأمانة.

فالله خلقك، ورزقك، ويعلم مستقبلك، ويعلم ماذا ستفعل أكثر منك، ولكنه لم يجبرك على شيء. فالنتيجة الأولى التي نصل إليها -أيها الأحبة- هي: أن الإنسان مخيّر تمامًا في سلوكه، لا يستطيع أحد أن يجبره لا على الإيمان ولا على الكفر. والدليل على ذلك: انظر إلى حال الملحدين؛ إذا سألت اليوم أي ملحد: هل هناك من يمنعك من الإيمان؟ سيقول لك: لا. وهل أجبرك أحد على الإلحاد؟ سيقول لك: لا؛ بل سيقول: عقلي قادني إلى ذلك. وإذا سألنا المؤمن، سيقول: بل أنا اخترت الإيمان بقلبي وعقلي ورأيت أنه الحق. فالقضية قضية اختيار؛ فالإنسان مخيّر.

قد تسأل: إن كان الإنسان مخيّرًا، فلماذا كتب الله عليه رزقه وعمله، وشقيًّا أم سعيدًا، وأجله؟ ما معنى أن الله كتب أعمال العباد في علم الغيب عنده؟ لا توجد أي علاقة بين «أن يعلم ويكتب» وبين «أن يجبر»؛ فلله المثل الأعلى: أنا لو علمت بالحسابات العلمية لسرعة الرياح والضغط الجوي أن درجة الحرارة غدًا ستكون بين 20 و22 درجة مئوية، وحدث ذلك بالفعل في اليوم التالي، فهل كتابتي وتوقعي هما اللذان أجبرا الطقس على ذلك؟ بالطبع لا!

فكذلك الله -عز وجل- لم يجبر الإنسان، ولكنه علم أن هذا الإنسان سيرتكب الموبقات، ويسفك الدماء، أو سيكفر ويلحد، وهو حرٌّ في ذلك؛ لأنه هو الذي تحمّل الأمانة، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. فعلم الله يقين تام ليس فيه احتمالات مثل علومنا؛ فكتب الله كل شيء بناءً على ما علمه من اختيارات العبد نفسه، وكتب الأجل والعمل.

وهنا ملاحظة -أيها الأحبة-: كل ما يحدث في الكون واقع تحت مشيئة الله وإذنه؛ فالملحد لا يستطيع أن يلحد رغماً عن مشيئة الله الكونية، بل سمح الله له بذلك لأن الله أعطاه الاختيار بمقتضى الأمانة. كما أعطى الله إبليس فرصة حين طلب الإمهال، فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم، والله لا يخلف الميعاد. فإبليس لا يتحرك رغماً عن الله، بل طلب فرصة والله منحه إياها. فأنت -أيها الإنسان- لديك الآن حرية كاملة في الاختيار واتخاذ القرارات: تستطيع أن تؤمن أو تلحد، تفعل الخير أو تظلم، تأكل الحلال أو تأكل الحرام، وكلها خيارات يعلمها الله مسبقًا، والله لا يظلم أحدًا.

فكيف نفهم قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾؟ مشيئة الله لها سنن وقوانين؛ فعندما يهدي الله شخصًا، يكون ذلك بناءً على ما وجده في قلبه من صدق وإخلاص وبحث جاد عن الحق، أما الشخص الآخر الذي اتّبع هواه وشيطانه ورضي بالضلال، فإن الله يوكله إلى ما اختاره لنفسه، فلا ظلم في ذلك.

وهذا تمامًا كما في الرزق؛ فالرزق بيد الله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، لكنه مرتبط بأسباب: فالتقوى سبب: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، والاستغفار، والعمل، والتوكل كلها أسباب رزق.

وكذلك الهداية؛ الملحد الذي يسبّ الله ليل نهار وهو لا يؤمن بالبعث ولا بالنشور ولا بالجنة ولا بالنار، رغم أنه بلغه القرآن وعلم آياته، مثله كمثل إبليس الذي عرف الحق وعاند؛ فهذا لا يهديه الله بل يزيده ضلالًا: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. أما المؤمن الذي يرجو رحمة ربه، ويستغفر إذا أخطأ وظلم نفسه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فإن الله يتوب عليه ويهديه.

إذًا -أيها الأحبة- القضية واضحة؛ فالإنسان مخيّر في سلوكه وتصرفاته، وجسده أمانة بين يديه، ونفسه هي التي توسوس له بالسوء: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ ق: 16]، وهذه النفس هي التي تظلم صاحبها إن فرّطت حتى يقول المرء: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [ الزمر: 56].

الأمر بسيط وميسور لمن فهم حقيقة الإيمان: أن يسلّم أمره لله، ويعلم أن كل شيء مكتوب، ويسعى جاهدًا لأن يكون ما كُتب له خيرًا، فيسعى لمرضاة الله، وينقذ نفسه من النار: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ الزمر: 9].

لقد بيّن الله لنا الطريق، ومن رحمته بنا أن أنزل علينا هذا الكتاب العظيم تبيانًا لكل شيء: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

نسأل الله -عز وجل- أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : -

https://youtu.be/7q6q9MsnLAg?si=fPRBp9tdahLlm84A

 

 

 
Share |

راقب