|
|
أخي الحبيب، هل حدث معك أن فقدت حلاوة الصلاة؟ وهل تشعر أحيانًا أن الصلاة ثقيلة جدًّا عليك من حيث الالتزام بها على وقتها؟..... |
اليوم سنتحدث عن سر من أسرار حلاوة الصلاة: كيف نستمتع بها؟ كيف نرتاح بها؟ كيف تكون الصلاة شفاءً لنا؟ وكيف نشعر بلذة الصلاة التي نؤديها لله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؟
هناك قضية أُسأل عنها كثيرًا؛ فبعض الناس لا يلتزم بالصلاة، وبعضهم يشعر أنها ثقيلة عليه جدًّا، وكثير من الناس لا يشعر بلذة الصلاة، أو يصلي ولا يشعر بشيء مع العلم أن الصلاة هي الشفاء، وكثير منهم يصلي ولكن لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر.
فما هو السر؟ هناك أمر واحد فقط في الصلاة إذا طبقته فستُحل لك كل هذه المشاكل. سنقرأ هذه الآية، ولكن في البداية هي آية مهمة جدًّا يغفل عنها كثير من الناس. يجب أن تعلم أولًا أخي الحبيب لماذا تصلي وما هو الهدف؟ هل الله يحتاج إلى صلاتنا؟ هل ينتظر منا أن نسجد له أو نركع له أو حتى نذكره؟ أم أن هذه الصلاة فرضها الله لمصلحتنا نحن؟ هذه قضية ينبغي أن تدركها أخي الحبيب قبل كل شيء، وقبل أن نقرأ هذه الآية المهمة، يجب أن تدرك أن هذه الصلاة فرضها الله عليك من أجلك أنت: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾، فالخير الذي تفعله وتقدمه من صلاة وزكاة وغيرهما إنما هو لنفسك؛ لأن الله غني عن العالمين، غني عن عباده ولا يحتاج إلينا، فهو الذي خلقنا فكيف يكون بحاجة إلينا؟
لذلك لا تظن أنك حين تصلي تَمُنُّ على الله بصلاتك، مثل أولئك الذين كانوا يمنون على الله أنهم أسلموا، قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾، فالله عز وجل حين هداك للصلاة هو صاحب الفضل والمنة عليك، ويجب أن تحمده على هذه الهداية. لذلك نبدأ صلاتنا بعد البسملة بقولنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: يا رب أحمدك قبل كل شيء لأنك هديتني لهذه الصلاة.
ما هو السر الذي يغير نظرتك للصلاة ويجعلك أكثر سعادة والتزامًا وحبًّا لها؟ هي كلمة واحدة: الخشوع.
استمع معي إلى مقدمة سورة المؤمنون، ماذا قال تعالى؟: ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (1) ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ (2)﴾. فأول صفة لهم قبل موضوع الزكاة وغيرها هي صفة الخشوع، وهي التي ستؤدي بك إلى باقي الصفات: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ (3)﴾؛ فالخشوع في الصلاة يجعلك تبتعد عن اللغو وفضول الكلام، وكثرة الكلام بغير ذكر الله -كما نعلم- قسوةٌ للقلب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.
والخشوع -أيها الأحبة- هو مقدمة لاستجابة الدعاء؛ فصلاتنا في حقيقتها دعاء، فنحن حين نقف بين يدي الله ونقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهذا دعاء، ومعظم آيات القرآن دعاء وتوجه لله سبحانه وتعالى. وحين أقف بين يدي الله وأدعوه، كيف أضمن الاستجابة؟ أحد أقوى أسباب إجابة الدعاء هو الخشوع، والدليل على ذلك من سورة الأنبياء حين استجاب الله دعاء سيدنا أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، وسيدنا يونس في بطن الحوت: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ فنجاه الله من الغم، وكذلك زكريا عليه السلام حين طلب من ربه الولد: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾. لاحظوا، لماذا جاءت هذه الاستجابة للأنبياء؟ بيّن الله السر في ختام الآيات فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
فالخشوع أخي الحبيب ليس أمرًا هينًا؛ بل هو مصدر الخير والسعادة والرزق، ومصدر الرضا والصبر والتحمل. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي فازوا ونجحوا في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
إن الخشوع في الصلاة أمرٌ افتقده كثير من الناس؛ لأن نظرتنا للصلاة تحتاج إلى تصحيح؛ فأنت لا تصلي لتنفع الله أو تضره، بل يجب أن تستشعر أن هذه الصلاة لك أنت. في خضم هذه الحياة المليئة بزحام الأفكار، وكثرة المشاغل والأخبار والأحداث في عصر المعلوماتية، حيث يكاد العقل يرهق من تدفق البيانات اليومية عبر الإنترنت، كأن الله يريد أن يقول لك: خذ استراحة لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة للصلاة، أَرِحْ عقلك، دعه يعيد ترتيب هذه المعلومات ويفرغ المشاغل، وكن في حالة خشوع لله أثناء الصلاة، وحينها ستنجح في بقية أعمالك.
هناك أسلوب يطبقه كبار رجال الأعمال، إذ يأخذ أحدهم عند تزاحم الأفكار فترة استرخاء يوقف فيها التفكير في كل شيء، فيتأمل في شمعة أو منظر طبيعي أو غروب شمس أو خرير ماء ليعطي راحة لذهنه حتى يستعيد نشاطه قبل اتخاذ القرار. هم ليست لديهم عبادة الخشوع الإيمانية، فلجؤوا إلى هذا التأمل؛ بينما نحن لدينا الصلاة بخشوع، فإذا أديتَها بخشوع فستشعر بلذتها وفائدتها، وبأنك قد ارتحت فعلًا من هذه الهموم.
أما ما يحدث للأسف مع كثير من الناس، فهو أنه يقف في الصلاة يقرأ الفاتحة ولسانه يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بينما عقله مشغول بكيفية حل مشاكله، وماذا أعطى لفلان، وماذا يفعل غدًا، فتجد أن الدماغ لا يستفيد من هذه الصلاة؛ فالصلاة النافعة التي تقودك إلى الفلاح هي الصلاة بخشوع. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ولم يقل "يخشعون"؛ لأن الفعل قد يفيد الحدوث المؤقت لدقيقة مثلًا، أما "خاشعون" فهي جمع لاسم الفاعل "خاشع" الدال على الثبوت والاستمرارية؛ أي مستمر في خشوعه طوال الصلاة، من حين تكبيرة الإحرام حتى التسليم.
لذلك ينبغي أن تحاول الخشوع قبل البدء في الصلاة بلحظات، فتستحضر عظمة الله وتذكره، وتستشعر أن هذه الفترة هي اتصال ومناجاة مع الله، وأن الله قريب منك لا سيما في السجود؛ فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وحين تضع جبهتك على الأرض خضوعًا وتذللًا بين يدي الله، استشعر قربه منك وسماعه لندائك، فأَكثِرْ من الدعاء وسَلْهُ ما تشاء. وعندما تقرأ آية فيها وعيد بالمسألة أو العذاب فاستعذ واخشع، وإن مررت بآية فيها نعيم فاستبشر، وتفاعل مع الآيات التي تتلوها؛ وحينها ستجد لذة عجيبة تغير مجرى حياتك وتريحك من هموم العصر.
حين تتذوق الخشوع ستتحول الصلاة من مجرد ركعات سريعة يؤديها المرء كأنه يريد الفرار منها، إلى عبادة تتمنى ألا تنتهي؛ فتطيل القراءة والركوع والسجود كما كان يفعل النبي ﷺ، إذ كان يخشع حتى يظن أصحابه من طول سجوده أنه قد قُبض، وكان يقوم بالبقرة في ركعة واحدة بخشوع وتدبر وتلذذ بالمناجاة.
الخشوع هو المفتاح الذي يجعلك تستزيد من النوافل طوعًا وحبًّا؛ فتزيد في صلاة الضحى، وتقوم الليل بركعات متأنية مطمئنة، وتجد فيه سر السعادة وشفاء الروح والبدن.
نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : -
https://youtu.be/Qf4WLyKHa2o?si=3u9c3fyJr0osG58Z








.gif)





