|
|
إنها سورة الهداية، والرزق الكثير، والنعم الكثيرة. إنها السورة التي تزيح عنك الهموم، وبخاصة إذا تعرضت لأذى أو ظلم أو لبلاء. إنها سورة مليئة بالرحمة؛ من قرأها امتلأت حياته بالرحمة، وأخيرًا هي سورة الشفاء كما أكد على ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. |
السلام عليكم ورحمة الله أيها الأحبة،
أعظم سورة في القرآن على الإطلاق هي السورة التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولكن اليوم أريد أن أنظر إلى هذه السورة بشكل مختلف قليلًا؛ فهذه السورة فيها فوائد مادية عاجلة لك تأخذها مباشرة.
سنكتشف اليوم هذه الأسرار الخمسة، وأبدأ بأهم موضوع وهو الشفاء. لماذا سماها النبي -عليه الصلاة والسلام- بالسورة الشافية؟ كما نعلم، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ هذه السورة ويعلمها أصحابه، فكان أصحاب النبي يقرؤون هذه السورة على المريض فيُشفى بإذن الله، فسمَّاها الشافية.
- السر الأول: الشفاء أخي الحبيب، وأنت تقرأ سورة الفاتحة يجب أن تستيقن أن فيها طاقة شفائية أنت لا تراها، ولكن كل خلية من خلايا جسدك—وأنت تقرأ هذه السورة بخشوع وبكاء وإخلاص وتدبر—اعلم أنها تتأثر، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُجري الشفاء ببركة هذه السورة؛ لذلك سماها النبي -عليه الصلاة والسلام- أعظم سورة في القرآن.
- السر الثاني: الشكر والرزق كيف بدأت هذه السورة بعد «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ ماذا تقول؟ «الحمد لله رب العالمين»؛ لماذا بدأت بالحمد؟ لأنك أخي الحبيب قد أكرمك الله بنعم عظيمة جدًا، وحتى تضمن استمرار هذا الرزق وزيادته، لا بد أن تحمد الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل هو القائل: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ». إذن السر الثاني يتعلق بالرزق، فما دمت تحمد الله عز وجل، فإن «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» معادلة مؤكدة لا تقبل النقاش أو النقد أو الجدل. فهذه السورة بدأت بشكر الله «الحمد لله رب العالمين» لتتذكر نعم الله عليك أولًا، ولتحمد الله فتضمن زيادة الرزق وزيادة النعم، وأهم نعمة هي نعمة الإسلام ونعمة القرآن.
- السر الثالث: الرحمة أخي الحبيب، انظر معي: «بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم»، إذن هي مليئة بالرحمة؛ تكرر اسما «الرحمن» و«الرحيم» مرتين، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: أيها العبد، كلما قرأت هذه السورة تذكّر أن هناك إلهًا رحمنًا ورحيمًا، فلا تيأس ولا تحمل همّ شيء؛ فرحمة الله وسعت كل شيء: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ». فإذن الرحمة هنا—أخي الحبيب—تُغلّفك وتغشاك وتحيط بك عندما تقرأ سورة الفاتحة؛ لأنها أعظم سورة في القرآن، ولأنها شفاء، ولأن فيها زيادة في الرزق، ولأن الله عز وجل ذكر اسمه «الرحمن الرحيم» مرتين ليؤكد لك أن الله رحيم بك. فمهما أخطأت ومهما أذنبت فالله رحيم بك؛ إذا مرضت فالله يشفيك، وإذا ضاق صدرك فالله يكشف عنك الضيق، وإذا وقعت في مشكلة فالله يُنجيك من الغم كما أنجى أنبياءه، لذلك هي سورة الرحمة.
- السر الرابع: الهداية وهو مهم جدًا: الهداية؛ عندما تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إهدنا الصراط المستقيم»؛ فيا رب، أنت الذي تحكم بين عبادك يوم الدين (يوم القيامة)، أنت الذي تُرْجِع لي حقي، أنت الذي تنصفني في الدنيا والآخرة. «اهدنا الصراط المستقيم»: فيا رب اهدني إلى الرزق الصحيح، اهدني لأجد علاجًا لمرضي، اهدني لأجد حلًا لهذا البلاء، اهدني لأجد طريقة لحل مشكلة في بيتي، اهدني لأعبدك بالطريقة الصحيحة التي تحبها وترضاها؛ فإذن هي سورة الهداية «اهدنا الصراط المستقيم». ما معنى الصراط؟ الصراط في اللغة هو الطريق، والمقصود هنا: اهدني إلى السلوك المستقيم، أي أقرب طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم. فإذا كان لديك سفر أو مشروع أو مشكلة أو همّ، فيا رب اهدني لأقصر الطرق لأحلّ هذه المشكلة. هناك من يمرض وينفق الكثير ويعاني من هذا المرض كثيرًا ولا يُشفى، وقد يكون الشفاء شيئًا بسيطًا؛ فيا رب اهدني إلى هذا الشفاء الصحيح، اهدني لأحلّ مشكلتي بسرعة ومن أقصر طريق. «اهدنا الصراط المستقيم» تشمل أيضًا أن يهديك الله صراط الجنة؛ لأننا جميعًا سنمر على الصراط يوم القيامة، فاهدنا يا رب أن يعبر بنا هذا الصراط في الدنيا إلى الهداية، وأن تتوفانا على الإيمان والإسلام، وفي الآخرة أن ينتهي بنا هذا الصراط إلى الجنة إن شاء الله.
- السر الخامس: الحماية من الضلال انظر أخي الحبيب: «صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين». طبعًا هنا بعض التفاسير اختصرت هذا المعنى كثيرًا بحصره في اليهود والنصارى، بينما الآية هنا لم تذكر اليهود أو النصارى نصًا؛ «صراط الذين أنعمت عليهم»، فمن هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وكل إنسان يقول لا إله إلا الله فهذا قد أنعم الله عليه. إذن: يا رب اهدنا طريق الأنبياء، مثل طريق سيدنا إبراهيم الذي كان يقول: «الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ»، فأنا أريد الهداية منك يا رب. «غير المغضوب عليهم»: الله لم يغضب فقط على اليهود، بل غضب على كثير من الأقوام السابقين، واليوم يغضب الله على كل ظالم، وكل مجرم، وكل معتدٍ، وكل من يأكل أموال الناس بالباطل؛ فيا رب أخرجني من هذه الدائرة (دائرة المغضوب عليهم). «ولا الضالين»: هناك من يسجد للبقر، فهذا من الضالين، فيا رب أبعدني عنه؛ فالمعنى هنا لا نريد أن نختصره في نطاق ضيق، بل المعنى عام: كل من غضب الله عليه، يا رب الطريق الذي سلكه وأدّى به إلى الغضب الإلهي أبعدني عنه، وكل إنسان ضلّ عن طريقك، وكل من ضلّ عن الحق فسلك طريق الشهوات وطريق المعاصي، فأبعدني عنه واهدني إلى صراط وطريق الأنبياء والصالحين. هذه السورة ببركتها تبعدك عن الشر، وهذا هو السر الخامس؛ أنها تبعدك عن طريق الذين غضب الله عليهم وعن طريق الذين ضلّوا طريق الله، فكأنك تقول: يا رب اهدني للحق وأبعدني عن كل باطل.
عندما تفهم هذه السورة بهذه الطريقة سوف تحبها، وسوف تتمتع بصلاتك. كم واحد منا عندما يصلي يفكر بهذه الطريقة؟ أنا واثق أنهم قليل جدًا.
لذلك أخي الحبيب، أختم وأقول: كلما وقفت في صلاتك اعتبر أن سورة الفاتحة كنز أكرمك الله به، وكنز مَنّ الله به عليك؛ فلا تقرأها هكذا قراءة كالببغاء، بل فكّر في كل كلمة، وفكّر في كل آية، واستشعر نعمة الله عليك وأنت تقول: «الحمد لله رب العالمين»، واستشعر أن الله يهديك وأنت تقول: «اهدنا الصراط المستقيم»، واستشعر رحمة الله وأنت تقول: (الرحمن الرحيم ).
حاول وأنت تقرأ «مالك يوم الدين» أن تتذكر ألا تظلم أحدًا، وألا تأكل مال أحد، وألا تتكلم عن أحد بسوء؛ لأن هناك يومًا هو يوم الدين (يوم الحساب والجزاء)، كل واحد يأخذ فيه حقه، فالمقياس في ذلك الوقت هو مثقال الذرة: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) .
فعندما تقرأ هذه السورة قراءة تدبرية بهذه الطريقة صدقني لن تملّ من قراءتها، سوف تحب صلاتك وتنتظرها بلهفة لتقف بين يدي الله وتمتع نفسك بمعاني هذه السورة العظيمة، التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها لنا ولكم شفاءً ونورًا يوم القيامة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : -
https://youtu.be/Tnb75Sk8B5E?si=4bVeHXnRRmrN9n_A








.gif)





