|
|
أيها الأحبة، ثلاث طرق للقضاء على أخطر مرض يصيبنا جميعا دون أن ندري، وهو مرض الخوف؛ الذي يولد الهموم، ويولد المشاكل، ويولد اضطراباً في حياتك. |
الغني يخاف من المستقبل ويخشى على تجارته، والفقير يخاف من الغد ماذا سيحدث، وأي إنسان تصادفه تجده يخشى على رزقه بسبب كثرة الحروب، والانهيارات الاقتصادية التي نراها اليوم في العالم، وبسبب الغلاء، وازدياد نسبة الفقر حول العالم، وتركز الثروة في يد القلة القليلة، وبسبب الإعلام العالمي الذي يخوفك دائماً من الوباء، والعدوى، والأوبئة، والانهيارات، والحروب.
فأصبح لدينا مرض اسمه "الخوف من المستقبل". كيف أتخلص منه؟ لأنه في الحقيقة ينغص حياتي، ويمنعني من النجاح، ويمنعني من الإبداع، ويمنعني من التمتع بهذه الحياة!
الله خلقني لأخاف منه هو، وليس لأخاف ممن حولي. الله لم يخلقني من أجل أن أمضي حياتي في الخوف والهم. أيها الأحبة، الله خلقك لأنه يحبك، ولأنه يريدك أن تفرح برحمته ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [ يونس: 58] الله خلقك لأنه يحب لك الخير، الله سبحانه وتعالى خلقك لأنه يريد أن يمتعك بهذه الدنيا فيما يحب ويرضى، لم يخلقك أبدًا لكي تخاف وتحمل الهم والغم ويمتلئ رأسك بالمخاوف.. لا!
الطريق الأول: التوكل على الله
أول أسلوب أو أول طريق تقوم به ليقضي تماماً على أي مخاوف، وهو يجلب لك محبة الله، ويجلب لك الرزق الكثير من حيث لا تحتسب، ويجلب لك الجنة يوم القيامة.. ما هو؟ التوكل على الله.
كلما خفت أكثر ابتعدت عن الله أكثر، وابتعدت عن التوكل عليه. ولكن ماذا يعني التوكل على الله؟ أنت عندما تذهب وتوكل محامياً بارعاً ليحل مشكلة أو قضية لك، يقول لك: "اذهب وارح دماغك وأنا سأقوم بكل هذه الحلول". طيب، هذا عندما تتوكل على بشر مثلك مثله؛ يمرض، ويخاف، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.. فكيف إذا توكلت على مالك الملك سبحانه وتعالى؟ الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، والذي لا تتحرك ذرة في الكون إلا بأمره؟
ماذا يحدث؟ ستشعر بقوة هائلة لأن الملك معك، لأن الله يقول لك ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ آل عمران: 159]
عبارة عظيمة! بمجرد أن أقول "توكلت عليك يا رب" يحبني الله؟ هذا شيء عظيم جداً! نحن نفرح بمحبة شخص من البشر في الدنيا، فكيف إذا أحبك رب البشر سبحانه وتعالى؟ ما الذي سيحدث؟ كيف ستصبح أمورك وحياتك؟ كيف سيسهل لك كل شيء ويفتح لك أبواب الرزق؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لو أنَّكم تتوَكَّلونَ على اللَّهِ حقَّ توَكُّلِهِ لرزَقَكُم كما يرزُقُ الطَّيرَ )؛ فالطيور يرزقها الله من حيث لا تحتسب. وقال تعالى ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [ الطلاق: 3] أي يكفيه.
فإذن التوكل على الله يجلب لك محبته، ويجلب لك الرزق الكثير، ويخلصك من الهموم والمخاوف، لأن معي الله.. معي ربي. انظر إلى سيدنا موسى عليه السلام عندما وقف في مواجهة البحر ومن خلفه العدو، في موقف مثل هذا أي إنسان ينهار حقيقة، ولكن قوة التوكل على الله لدى سيدنا موسى كانت عالية جداً؛ فعندما حاول قومه أن يخوفوه من فرعون وقالوا:( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( (هذا تخويف: أدركنا وسنموت، خوف من الموت)، قال: ( كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) .
كيف علم أن الله معه؟ لأنه توكل عليه، والله يكون مع المتوكلين ومع الصابرين.
الطريق الثاني: الصبر
وهذا هو العمل الثاني ومن أروع وأعظم الأعمال أيها الأحبة: الصبر، وهو رقم 2 في الأهمية.
ماذا يحدث عندما أصبر؟ أولاً: أدخل في معية الله وأصبح قريباً منه سبحانه وتعالى، وهذه قضية عظيمة؛ فكل واحد يتمنى أن يكون مع الله. إذن عليك بالصبر على هذا التخويف وهذه الهموم والمشاكل. اصبر؛ يعني توكل واصبر.. توكل على الله، وسلم أمرك له، وقل: "يا رب، أنا أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته لي"، لأنك أنت القائل ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [ التوبة: 51]
فإذا حدثت مجاعة، الله سينجيني منها لأنه القائل: ( وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ). وإذا حدث ذل وخوف، أنا سأكون خارج هذه الدائرة لأن الله يقول ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 139]
فما دام الله وعدني أنه مع الصابرين، أنا سأصبر على هذه الهموم، ولكن في نفس الوقت لا أفكر فيها ولا أخاف منها. وهذا من أقوى أنواع الصبر: أن تصبر على أناس أو مجتمع أو بيئة كلها تخوفك من المستقبل.
الصبر يجلب لك محبة الله، لأن الله يقول: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )، وفي الآية الأخرى: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .
ومن فوائد الصبر أنه يدخلك الجنة: ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا )، ويوم القيامة يقال لك: ( سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). ستدخل الجنة ببركة الصبر، وتزول الهموم ببركة الصبر.
الطريق الثالث: الصلاة بخشوع
الشيء الثالث الذي يغفله الكثيرون هو الصلاة، ولكن بخشوع. بعض الناس يصلي ويظن أن مجرد الصلاة علاج له.. لا، الصلاة لها شرط أساسي وهو الخشوع. لأن نجاحك في أي مهمة، في القضاء على الخوف، في الرزق، في الدنيا، في الأسرة، في إدارة بيتك وأولادك، مرهون بقوله تعالى: ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (1) ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ (2)﴾ [ سورة الْمُؤْمِنُونَ] إذن الفلاح شرطه الخشوع.
ماذا يحدث إذا لجأت إلى الصلاة؟ ( أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ). الصلاة أمرنا الله أن نستعين بها على قضاء حوائجنا وفي علاج أي مشكلة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 153]
هذا الخطاب لي ولك، لا تفهمه أنه للصحابة فقط أو لأناس عاشوا في جزيرة العرب قديماً، بل هذا الخطاب لك اليوم. عندما تسمع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} اعلم أنك أنت المخاطب!
عندما ألجأ للصبر والصلاة فإن الله يكون معي، يرشدني لحل المشاكل، ويرشدني للسعادة. لذلك تجد أن المؤمن الذي يصلي ويطيل في صلاته ليخشع أكثر، ويقوم الليل ويلجأ للصلاة، تجد أن نسبة الهموم لديه تكاد تكون صفراً، ليس لديه هموم ولا أحزان.
خذ مثالاً حبيبكم عليه الصلاة والسلام؛ ماذا قال لسيدنا أبي بكر وهما في الغار في أصعب المواقف؟ {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. أستطيع أن أستنبط من هذه العبارة أن كل من يشعر بـ "معية الله" لا يحزن. فنبينا لم يكن يحزن على شيء من امور الدنيا كالملك والمتاع والرزق، بل كان يحزن على الكفار يرغب في هدايتهم، ولذلك قال له الله ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [ النمل: 70]
إذن أنت عندما تصلي بخشوع تكون في أقرب موقع من الله، وتكون ساجداً: ( أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ وهوَ ساجدٌ )، فأكثروا من الدعاء بيقين واطلب ما تشاء، فإنك أمام رب كريم لا يعجزه شيء.
الخشوع هو أحد أقوى أسباب استجابة الدعاء. فالأنبياء استجاب الله دعاءهم جميعاً (والنبي عليه الصلاة والسلام أدخر دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة)؛ فسيدنا نوح قال الله عنه: ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، وسيدنا يونس: ﴿ فَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾، وسيدنا أيوب عندما صبر على المرض: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾.
رغباً: رغبة فيما عند الله.
رهباً: خوفاً من الله وحده، وليس من فلان أو مرض أو فقر.
﴿ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ : هذا هو الشاهد!
فهذه الأعمال الثلاثة -أخي الحبيب- إياك أن تغفل عنها؛ الجأ إليها وجرب وسوف لن يبقى عندك أي هم، وبأقوال وأفعال بسيطة ستتذوق الفرح الموجود في هذه الآية التي أختم بها ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [ يونس: 58]
نسأل الله عز وجل أن يفرحنا برحمته وفضله ولقائه، إنه سميع قريب مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : -
https://youtu.be/k_-fpUihWR0?si=ABKaub-f2xNVqRVX








.gif)





